ابن كثير

163

البداية والنهاية

وفيها تكامل بناء الجامع الأموي بدمشق على يد بانيه ( 1 ) أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى وجزاه خيرا ، وكان أصل موضع هذا الجامع قديما معبدا بنته اليونان الكلدا نيون الذين كانوا يعمرون دمشق ( 2 ) ، وهم الذين وضعوها وعمروها أولا ، فهم أول من بناها ، وقد كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتميزة ، وهي القمر في السماء الدنيا ، وعطارد في السماء الثانية ، والزهرة في السماء الثالثة ، والشمس في الرابعة ، والمريخ في الخامسة ، والمشتري في السادسة ، وزحل في السابعة . وقد كانوا صوروا على كل باب من أبواب دمشق هيكلا لكوكب من هذه الكواكب السبعة ، وكانت أبواب دمشق سبعة وضعوها قصدا لذلك ، فنصبوا هياكل سبعة لكل كوكب هيكل ، وكان لهم عند كل باب من أبواب دمشق عيد في السنة ، وهؤلاء هم الذين وضعوا الأرصاد وتكلموا على حركات الكواكب واتصالاتها ومقارنتها ، وبنوا دمشق واختاروا لها هذه البقعة إلى جانب الماء الوارد من بين هذين الجبلين ، وصرفوه أنهارا تجري إلى الأماكن المرتفعة والمنخفضة ، وسلكوا الماء في أفناء أبنية الدور بدمشق ، فكانت دمشق في أيامهم من أحسن المدن ، بل هي أحسنها ، لما فيها من التصاريف العجيبة ، وبنوا هذا المعبد وهو الجامع اليوم في جهة القطب ، وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي ، وكانت محاريبهم إلى جهته ، وكان باب معبدهم يفتح إلى جهة القبلة ، خلف المحراب اليوم ، كما شاهدنا ذلك عيانا ، ورأينا محاريبهم إلى جهة القطب ، ورأينا الباب وهو باب حسن مبني بحجارة منقوشة ، وعليه كتاب بخطهم ، وعن يمينه ويساره بابان صغيران بالنسبة إليه ، وكان غربي المعبد قصر منيف جدا تحمله هذه الأعمدة التي بباب البريد ، وشرقي المعبد قصر جيرون الملك ، الذي كان ملكهم ( 3 ) ، وكان هناك داران عظيمتان معدتان لمن يتملك دمشق قديما منهم ،

--> ( 1 ) عن أبي الحسن الخشني ذكر بعضهم أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) صلى في موضع مسجد دمشق ليلة أسري به وقد أنكر ابن عساكر هذا وقال : هذا منقطع ومنكر جدا ونقل عن أبي زرعة قال : مسجد دمشق خطه أبو عبيدة بن الجراح حين الفتح وكذلك مسجد حمص . ( 2 ) اختلف المؤرخون ونقلة الاخبار في أول من بنى مدينة دمشق ، ففي بنائها أقوال كثيرة منها انها بنيت على عهد آدم ، وذكر كعب الأحبار أن أول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حران ودمشق . وقال ابن الكلبي : أول من بناها دمشاق بن قاني بن لامك بن ارفخشد بن سام بن نوح . وقيل إن الذي بناها جيرون بن سعد بن عاد بن ارم بن سام بن نوح . وقال وهب بن منبه : بناها غلام لإبراهيم ويسمى دمشاق . وقيل أول من بناها بنو أراسف الكنعاني . وقال صاحب عيون التواريخ أن الذي بناها غلام للإسكندر اسمه دمشقش فسميت باسمه . وهو ما ذهب إليه ابن عساكر مع إشارته إلى قول بعضهم ان اليونانيين بنوها ( انظر تاريخ ابن عساكر - معجم البلدان ) . ( 3 ) اختلفوا في جيرون ، فقيل هو جيرون بن سعد بن عاد بن ارم بن سام بن نوح ( صلى الله عليه وسلم ) وهو أول من بنى دمشق وبه سمي باب جيرون . وقيل هو رجل من الجبابرة بنى حصن جيرون بدمشق ( تذكرة العماد - معجم البلدان - معجم ما استعجم )